سعيد عطية علي مطاوع
252
الاعجاز القصصي في القرآن
التنبيه غير المناسب للمقام ، لكون المخاطب غير صالح للتنبيه علي الحقيقة . وأخيرا لفظ الأرض دون سائر أسمائها ، لكونه أخف وأدور ، واختير لفظ السماء ذلك مع قصد المطابقة . واختير ( ابلعي ) علي ( ابتلعي ) ، لكونه أحضر ، ولمجيء حظ التجانس بينه وبين ( أقلعي ) أوفر . وقيل ( ماءك ) بالأفراد دون الجمع لدلالة الجمع علي الاستكثار الذي يأباه مقام إظهار الكبرياء ، وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء . ولم يحذف مفعول ( ابلعي ) لئلا يفهم ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وغيرها ، ونظرا إلي مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء . ثم إذ بيّن المراد اختصر علي ( أقلعي ) ، فلم يقل : اقلعي عن إرسال الماء ، احترازا عن الحشو المستغني عنه من حيث الظاهر ، وهو الوجه في أنه لم يقل يا أرض ابلعي ماءك ، فبلعت ، ويا سماء أقلعي فأقلعت ، واختار ( غيض الماء ) علي ( غيّض ) المشددة ، لكونه أخصر ، وأوفق لقيل . وقيل ( الماء ) دون أن يقال : ( ماء طوفان السماء ) ، كذلك ( الأمر ) دون أن يقال ( أمر نوح ) ، للاختصار ، ولم يقل ( سوّيت علي الجودي ) بمعني أقدرت ، علي نحو قيل وغيض ، وقضي في البناء للمفعول ، اعتبار لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله ( وهي تجري بهم ) مع قصد الاختصار ، ثم قيل ( بعدا للقوم ) ، دون أن يقال : ( ليبعد القوم ) ، طلبا للتوكيد مع الاختصار ، وهو نزول ( بعدا ) منزلة ( ليبعدوا بعدا ) ، مع إفادة أخري ، وهي استعمال اللام مع " بعد " الدال علي معني أن البعد حق لهم . ثم أطلق الظلم ، ليتناول كل نوع ، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم بتكذيب الرسل . هذا من حيث النظر إلي الكلم ، وأما من حيث النظر إلي ترتيب الجمل ، فذلك أنه قدّم النداء علي الأمر ، فقيل ( يا أرض ، ابلعي ) و ( يا سماء أقلعي ) دون أن يقال : ( ابلعي يا أرض ) و ( أقعلي يا سماء ) ، جريا علي مقتضي اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى ، قصدا بذلك لمعنى الترشيح . ثم قدّم الأرض علي أمر السماء ، لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل . ثم أتبعهما قوله : ( وغيض الماء ) ، لاتصاله بقصة الماء . ثم أتبعه ما هو مقصود من القصة ، وهو قوله : ( وقضي الأمر ) ، أي أنجز الوعد : من